ابن عطاء الله السكندري

القسم الأول 21

الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )

البهيميّ ، منسلخا عن مذموم ظلمة أوصافه البشرية ، مقدّسا عن غلبة الشهوة والهوى والشره الطبيعي . فعند ذلك تحصل له نسبة القرب بينه وبين نسبة الملائكة بالوصف العقلي النوراني . ويبعد عن جنس وصف الحيوان البهيمي . وتقع المناسبة بالشبه والمساواة والمشاركة في الصفات لفظا ، لا كمالا حقيقة . لأن النقص موجود في المحدث ، والكمال حقيقة فيمن لا نظير له في ذاته ولا في صفاته . وإن كانت النسبة والمشاركة والمشابهة في الصفات لا توجب المماثلة في حقيقة الذات ، لأن المشاركة في كل صف لا توجب المماثلة في كل وجه ، لأن الضدّين يتماثلان وبينهما غاية البعد ، إذ السواد يشارك البياض في العرضية واللونية والإدراكية . وليس المثل كالممثل به ، ولا المشبّه كالمشبّه به . وبيان القديم من المحدث أعلى من التباين بين السواد والبياض . وقد روي عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها سئلت عن خلق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فقالت : كان خلقه القرآن . وبذلك وصفه اللّه سبحانه كما في كتابه بأنه رؤوف ، رحيم ، عدل ، هاد ، جواد ، كريم ، عفو ، غفور ، ستّار ، حليم . فأكمل اللّه له جميع الأخلاق الكريمة بقوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم : 4 ] . وقال صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ للّه تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة » « 1 » وفي رواية أخرى من حفظها دخل الجنة . والناس في إحصائها على ثلاثة أصناف : صنف أحصاها تصديقا واعتقادا ورواية ومقالا ، وصنف أحصاها حفظا وعدّا ودراية وسلوكا وحالا ، وصنف أحصاها ذكرا وحفظا وعلما ومحافظة ومعرفة وتخلّقا وكشفا وشهودا وتعظيما وإجلالا . وكلّ طائفة من هذه الأصناف الثلاثة قد وعدهم الشرع بدخول الجنة ، ولكن جنة كل صنف منهم على حسب علو منازلهم ، ورتب أحوالهم ، وتمكين معرفتهم ، وقوة يقينهم ، وعلى قدر ما كشف لهم من فهم اسرار الأسماء والصفات . وتخلّقوا بها ، وتحققوا فيها ، وشاهدوا من تجلّي صفات الذات . فإن الإحصاء الذي ورد فيه الترغيب هو مطلق يحتمل التخصيص والتعميم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مسنده 3 : 259 ، وأحمد في مسنده 2 : 258 .